وقوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) على قول من يجعل القسم بالقرآن ، فهو ظاهر : أن يقول : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ، أي : الذي أقسم به وأنزله نجوما هو كريم.
وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة ، يجعل قوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ابتداء ذكر منه له.
ثم تسميته القرآن : كريما ، يخرج على وجوه :
أحدها : وصفه بالكرم ؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية ، وفي العرف : الكريم : من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها.
أو وصفه بالكرم ؛ لأن من اتبعه ، كرم وشرف.
أو كريم عند الله عظيم : لذلك وصفه بالكرم ، والله أعلم.
وقوله : (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) قال أهل التأويل : في اللوح المحفوظ ؛ سماه مكنونا : لأنه مستور على خلقه عند الله.
وقال ـ عزوجل ـ : (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) يقول : لا يمس ذلك إلا المطهرون.
وقال بعضهم (١) : هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهم ؛ كقوله تعالى : (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ) [عبس : ١٥ ، ١٦] طهروا من الذنوب والآثام ، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله ، وهو ما قال على أثره : (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، أي : أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب ، والتحريف : إثم وذنب من رب العالمين ، وهو كما ذكر في آية أخرى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ) [الشعراء : ١٩٣ ، ١٩٤] ، وقال : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) [النجم : ٥] ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين ، لا يكون منه التحريف ولا التبديل ، وأنه قوي ، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده ، ولا تحريفه ، ثم تمام الأمن بقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [الحجر : ٩] ، وكل حفظه إلى نفسه ؛ لا إلى أحد من خلقه ؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف ، والله أعلم.
وقوله : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) قال بعضهم : أفبهذا القرآن أنتم كافرون؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) الله تعالى جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه ، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها ، فكذبوا الأمرين جميعا ، ما به حياة الدين والأبدان جميعا.
ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه :
أحدها : ما ذكر بعض الناس أهل التأويل : أنهم كانوا يقولون : رزقنا بنوء كذا ؛ كانوا
__________________
(١) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٣٥٣٧) وآدم وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في المعرفة من طرق عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٣٢) وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
