يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ) ، أي : على الإثم العظيم ، وهو الشرك.
وقيل (١) : الحنث العظيم : الكبائر ، والإصرار : هو الإدامة عليها.
وقال بعضهم : يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه ؛ كقوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) [النحل : ٣٨] أقسموا : أنهم لا يبعثون ، فحنثوا في ذلك ؛ لأنه تعالى أخبر أنهم يبعثون ؛ حيث قال : (بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا) [التوبة : ١١١].
ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها) [الأنعام : ١٠٩] وقوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) [فاطر : ٤٢] ، وقد جاءهم النذير ، فلم يكونوا أهدى ، وجاءتهم الآيات ، فلم يؤمنوا بها ، فحنثوا فيها ، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين ؛ لأنهم أيسوا عن ذلك.
وفيه دلالة لصحة مذهب أصحابنا : أن من حلف : للمس السماء ، أنه يحنث عند فراغه من اليمين.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآباؤُنَا) قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث ؛ ألا ترى أنه أجابهم ، فقال : (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
ثم قوله : (إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : يجمع الأولين والآخرين في التخليق ؛ أي : جمع بين الأولين والآخرين في التخليق ؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين ، وإلا لم يكونوا وقتما قال : (لَمَجْمُوعُونَ) ؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد.
والثاني : مجموعون في الأرض ، أي : في القبور (إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ) بآيات الله الدالة على توحيده ، ورسله ، والبعث.
وقوله : (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) ، أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من شجر الزقوم ؛ فيكون كما أخبر.
ثم شجرة الزقوم : هي التي ذكر (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) [الصافات : ٦٤ ، ٦٥] ، وقد ذكرنا تأويله في موضعه.
وقوله : (فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون إلا امتلاء
__________________
(١) قاله الشعبي ، أخرجه عبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٢٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
