وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)(٤٠)
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ. فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ...) الآية : أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا.
ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم ، وما ذكر من الطلح ، وغير ذلك.
فمنهم من قال : إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين ؛ لأنه قال في المقربين : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ...) [الواقعة : ١٠ ـ ١٢] إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم ، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك ؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين.
ومنهم من قال : إن قوما من العرب ينتفعون بذلك ؛ لأن لها ثمرة ، لكن ليست بمرغوبة ، ولها شوك ، فأخبر الله تعالى أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى ؛ بل رغب فيه ، وهو كما وعد لهم من الخمور ، ثم نفى عن خمورها الآفات ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) ، منهم من قال (١) : هو طلع منضود متراكم ؛ كما ذكر في آية أخرى (طَلْعٌ نَضِيدٌ) [ق : ١٠] ذكر في إحدى الآيتين فعيل ، وفي الأخرى مفعول ، وذلك جائز في اللغة.
وقيل (٢) : طلح : بالحاء : هو الموز.
وذكر أن عليا ـ رضي الله عنه ـ سمع قارئا يقرأ : (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) ، فقال علي ـ رضي الله عنه ـ : ما شأن الطلح؟ إنما هو طلع ؛ فقيل له : إن في المصحف (وَطَلْحٍ) أفلا نغيره؟ فقال : إن المصحف لا يغير اليوم (٣) ؛ وهذا يؤيد التأويل.
وقال أبو معاذ : الطلح في كلام العرب : شجر عظام ، كثير الأغصان ، واحدها : طلحة ، وقال مخضود : أي : مقطوع الشوك ؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك ، ومنه قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ في شجر الحرم : «لا يخضد شوكها ، ولا يعضد شجرها».
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها ، ولا برد يؤذي ، بل ظل ؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه ، ولا شيء يثقل على الأبدان ؛ بل هو
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٢٣).
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٣٣٥٠) ـ (٣٣٣٥٤) وهو قول علي بن أبي طالب وأبي سعيد والحسن وقتادة ومجاهد وعطاء وغيرهم.
(٣) أخرجه ابن جرير (٣٣٣٤٩) وابن الأنباري في المصاحف ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٢٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
