الأصداف ؛ فكان من ذلك اللؤلؤ (١).
وقيل : إنما قال تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب ؛ لأن العذب والمالح يلتقيان ؛ فيكون العذب لقاحا للمالح ؛ كما يقال : يخرج الولد من الذكر والأنثى ، وإنما تلده الأنثى ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) : عن إبراهيم ـ رحمهالله تعالى ـ : أنه قرأ : (الْمُنْشَآتُ) بكسر الشين ، وفسر بعض الناس المنشآت ، أي : ظاهرات السير.
وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين ، قال أبو عبيدة : وبها يقرأ ؛ لأن تفسيرها : أنها التي قد رفع قلعها في البحر ، فهي الآن مقلوع بها ؛ فقيل : المنشآت ، وهي المرتفعات ، والتي لم يرتفع قلعها ، فليست بمنشئات.
وقيل : المخلوقات ، والجواري : هي السفن المنشآت.
وقوله ـ عزوجل ـ : (كَالْأَعْلامِ) أي : هي في البحار كالجبال في البراري.
قيل : وهي الأعلام أنفسها.
ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوه من الحكمة وإثبات القدرة لله تعالى وسبحانه : أحدها : أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها ، وعلم إخراج ما فيها للآدمي ، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار ؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية ـ لقادر على البعث وغيره.
والثاني : أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال ، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار ، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل ، فيقول ـ والله أعلم ـ : ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية ، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.
أو يقول : ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم ـ التي جعلها لكم ـ أنها من الله تعالى ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل ، عليهمالسلام؟!
ثم في قوله : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ) دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد ؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ) ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم ، فلو لم يكن له في أفعالهم صنع ، لكانت السفن لهم لا له ، والله أعلم.
__________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، وابن جرير (٣٢٩٩٦) ، (٣٢٩٩٨) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٩٥).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
