وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه ، وهو وجه غير مدفوع.
وتأويل الآية : أي : لا يكون منهم من اللغو ، وما يؤثم من القول ؛ كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم.
وقيل : (لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ) ؛ لأنها أحلت لهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ).
يرغبهم فيها [كما] رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم ، والفواكه ، والبسط ليطلبوها ، والله أعلم.
وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ).
قال أبو بكر الكيساني : يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا ، واستدل بقوله على أثر هذه الآية : (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) يحتمل قوله : (فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) وجهين :
أحدهما : إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله : (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) [التحريم : ٦].
والثاني : أي : إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين ، أي : خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
أي ـ والله أعلم ـ : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا ؛ لجناياتنا وراجين رحمته بقوله تعالى : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) ، وصف الله تعالى في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية ، والطمع والرجاء : كقوله تعالى : (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) [السجدة : ١٥] ، وقوله : (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً) [الأنبياء : ٩٠] ، ونحو ذلك.
ثم قوله : (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) قرئ : انه هم البر بنصب الألف وخفضه ؛ فمن كسره ، حمله على الابتداء ؛ أي : ربنا كذلك على كل حال ، ومن نصب أراد : يدعوه ثانيا ؛ لأنه هو البر الرحيم ، أي : يدعوه لأجل أنه كذلك ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ).
دل قوله : (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ) : أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم ، لكنه بمنه وفضله وقاهم ، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.
قوله تعالى : (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
