أنفسهم ولا آفة ؛ لأن ذلك ينغص عليهم ذلك ، ليس كما يؤكل في الدنيا ، فيه خوف التبعة ، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر ، فأخبر : ألا يكون لهم في الجنة ذلك ؛ لئلا ينغص عليهم نعمها ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) ذكر [أن] لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا ، ويتمنون بها ، كقوله تعالى : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) [الطور : ٢٤] ، وقوله : (وَكَواعِبَ أَتْراباً. وَكَأْساً دِهاقاً) [النبأ : ٣٣ ، ٣٤] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ. وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) [الغاشية : ١٣ ـ ١٦] ، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا ، ورغبهم فيه ؛ ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك ؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة.
وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر ، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ).
كما يقال : تزوجت بفلانة وفلانة ؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).
قيل فيه بوجوه :
أحدها : ما قال أبو بكر الكيساني : أي : يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات ، ولو قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكون بالأعمال ، فهم وإن لم يبلغوا في الأعمال مبلغ آبائهم ؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات ، والله أعلم.
وقال بعضهم : إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم ، وأخذوه منهم ، ولم يبحثوا عن حجته وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان ، فهم وإن كانوا مقلدين آباءهم في الإيمان ، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.
وقال بعضهم : إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان ، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم ، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ).
على تأويل أبي بكر : أي : وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء ؛ أي : ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم ، بل يبلغون درجات آبائهم ، ويوفرون
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
