فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق ؛ فيجب أن يقسموا بذكر ما هو النهاية في العظمة والقدر في القلوب ، وهو أسماء الله تعالى وصفاته ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل ـ عليهمالسلام ـ فإن كان كذلك فهو على الإضمار ؛ كأنهم قالوا : بمنشئ الطور ، وكتاب مسطور وما ذكر إلى آخره ؛ إذ القسم من البشر يكون بالله ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (وَالطُّورِ) جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها ؛ لما أن الله تعالى أنشأ الأرض خلقا تميد بأهلها ، وأرسى فيها هذه الجبال ووتدها حتى استقرت وسكنت ، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار عليها ، وصارت مهادا لهم ، وفراشا لهم ؛ على ما ذكر ؛ يتقلبون فيها ، ويتصرفون كيف شاءوا وإن أرادوا ذا ، أرادوا حيث أحبوا ، ثم إذا عرفوا ذلك ، لزمهم أن يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم ، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران وجزاؤه ، وأوعد لهم ذلك ؛ فيؤكد ما ذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم ؛ حيث قال : (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ).
ويحتمل أن يكون المراد بالطور : هو جبل خاص ، وهو الجبل الذي كلم الله ـ سبحانه وتعالى ـ موسى عليه ، وأنزل عليه التوراة ، وهو طور سيناء ، وذلك جبل مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله ، فأقسم بذلك الجبل (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ).
ويحتمل أن يكون المراد بالطور : هو جبال خاصة ، وهي الجبال التي أوحى عليها إلى رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ على ما روي في الخبر : «أوحى الله تعالى إلى موسى ـ عليهالسلام ـ في جبل ساعور ، وإلى محمد صلىاللهعليهوسلم في جبل فاران» ، فأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم ، والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات الرسالة ؛ فإنه أخبر ـ عليه الصلاة والسّلام ـ عن أمكنة الوحي ، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنما هو من الكتب المتقدمة ، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه ؛ فدل أنه بالله ـ عزوجل ـ عرف أمكنة الوحي ، وفضل تلك الجبال ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ...) الآية.
يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إذ بها يوصل إلى معرفة آيات الرسل ـ عليهمالسلام ـ وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى ، وإلى أخبار السماء ، ومعرفة الأحكام والحدود ، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة ، أقسم بها
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
