منهم ويعاقب المسيء ، ويجازي كلا بقدر عمله ؛ إذ لو لم يكن ، لكان خلقه إياهم عبثا باطلا ؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقيل (١) : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) أي : في خلق أنفسكم ، (أَفَلا تُبْصِرُونَ) أنه كيف سوى أنفسكم على أحسن الصور ، وأحسن التقويم بعد أن كان أصلها وجوهرها من ماء ، وكذلك أصل جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضا ، ثم ركبكم على صور صالحة لمنافعكم ، وركبكم على أحسن الصور ، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما يدرك بها حقائق الأشياء المحسوسة والمعانى الحكيمة ؛ لتتأملوا في ذلك كله ؛ فتكون آية الوحدانية آية إلزام الشكر والعبادة له ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ).
قال أبو بكر الأصم : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) أي : في السماء رزقكم وما توعدون من الخير والشر.
وقال الحسن (٢) وغيره : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) أي : المطر الذي ينزل منها في الأرض ، فنبت فيها بذلك المطر من أنواع الأرزاق من الحبوب ، والثمار ، والفواكه ، وغيرها ؛ كل ذلك سببه من السماء ؛ لذلك أضيف إليها ، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من أرزاقنا أنها في السماء : المطر وجميع ما سخر لنا فيها من الشمس والقمر والملائكة ؛ حيث جعل صلاح ما في الأرض جميعا من الأرزاق والأغذية بتلك الأشياء التي في السماء من الإنضاج بالشمس والقمر ، وحفظ الأرزاق والأمطار بالملائكة ؛ فإنهم جعلوا موكلين ممتحنين بذلك ؛ حيث قال ـ تعالى ـ : (فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) [الذاريات : ٤] هي الملائكة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما تُوعَدُونَ) كل موعود : مرغوب أو مرهوب من السماء ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ).
يحتمل قوله : (إِنَّهُ لَحَقٌ) أي : الساعة والقيامة.
ويحتمل (إِنَّهُ لَحَقٌ) أي : جميع ما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).
__________________
(١) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٣٧).
(٢) أخرجه ابن جرير بنحوه (٣٢١٨٢) وهو قول الضحاك ومجاهد وسفيان.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
