بينهما في هذه الدنيا ، دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق بينهما ويميز.
وهذا التأويل لا يختص به الكافر ؛ بل يعم الكل ، والله أعلم.
والثالث : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) ، أي : قول متفرق ، ومذهب متناقض ؛ فإنهم كانوا يعبدون أشياء على هواهم ، فإذا هووا شيئا آخر تركوا ذلك وعبدوا غيره ، وكذلك يقولون قولا بلا حجة ، ثم يرجعون إلى قول آخر ، لا ثبات لهم على شيء ، وهو كقوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) [آل عمران : ١٠٥].
والرابع : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) ، أي : في أمر الآخرة ؛ لأن منهم من يدعي أن الآخرة لهم لو كانت ، ومنهم من يدعي الشركة مع المسلمين ، فرد الله تعالى عليهم بقوله : (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) ، وهو كقوله تعالى : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم : ٣٥ ، ٣٦] ، وقال : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ) [الجاثية : ٢١].
والخامس : يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة ، والله أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل : أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة ؛ ليتفحصوا عن أخبار رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ويسمعوا كلامه ، فكان كفار مكة يصدونهم عنه ، ويقول بعضهم : إنه مجنون ، وبعضهم : إنه كذاب ، وبعضهم : شاعر ، وذلك قوله تعالى : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) يحتمل وجوها :
أحدها : أي : يصرف عن الحق من صرف عن النظر والتفكر في العاقبة.
والثاني : صرفوا عما رجوا في الآخرة ، صرفوا عن الحق في الدنيا ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تقربهم عبادتها إلى الله تعالى وأنها شفعاؤهم عند الله تعالى ، يقول تعالى : صرف عما رجا في الآخرة ؛ لما صرف عن الحق في الدنيا ، والله أعلم.
والثالث : يصرف من طمع في الآخرة الشركة مع المسلمين ، أو ادعى الخلوص بما صرف في الدنيا عن الإيمان الذي به ينال الآخرة.
والرابع : (يُؤْفَكُ عَنْهُ) أي : عن الحق (مَنْ أُفِكَ) ، أي : صرف عن الحق من صرف ؛ كقوله تعالى : (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ...) الآية [التوبة : ١٢٧] ، وقوله : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف : ٥].
وقوله تعالى : (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) : قال أبو بكر الأصم : الخراص : الذي يكذب على العمد.
ولكن عندنا : الخراص : الذي يكذب ، ويقطع على الظن ، ومنه يقال للذي يقدم
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
