ذات الحبك ، وموضع القسم : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ).
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ) :
روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : (ذاتِ الْحُبُكِ) قال : حسنها واستواؤها (١).
وقال بعضهم (٢) : ذات حبك ، أي : ذات بنيان متقن محكم.
وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد ؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام ؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه : حبك الثوب.
وقال الحسن : حبكت بالنجوم ، وحبكت بحسن الخلق (٣).
وقال بعضهم (٤) : ذات الشدة والاستواء ، يقال : حبكت الحبل ؛ إذا شددت فتله ، كذلك قال أبو عبيدة.
وقال القتبي : (ذاتِ الْحُبُكِ) : ذات الطرائق ، وكذلك قال أبو عوسجة.
ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين : أن القسم بعين السماء ، أو رب السماء ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) يخرج على وجوه :
أحدها : إنكم لفي قول مختلف في رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وفي القرآن ، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة ؛ لم يخرج مختلفا متناقضا ؛ لأنهم قالوا في رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إنه مجنون ، وإنه ساحر ، وإنه شاعر ، وإنه مفتر ؛ وهذا مختلف متناقض ؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها ، وكذا الشاعر ، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال ؛ فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض ، وكذلك قولهم في القرآن : إنه أحاديث الأولين ، وإنه مفترى ، والافتراء خلاف الأساطير ، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله ؛ فيكون هذا تناقضا في القول ؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل ، لا عن علم ؛ إذ لو كان عن علم بذلك ، لكان لا يختلف ولا يتناقض ، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة.
والثاني : إنما قال ذلك في الدلالة على البعث : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أي : في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد ، والمحسن والمسيء ، وقد عرفتم الاستواء
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣٢٠٤١) ، (٣٢٠٤٩).
(٢) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه (٣٢٠٥٤).
(٣) أخرجه ابن جرير (٣٢٠٤٤) ـ (٣٢٠٤٦).
(٤) قاله ابن زيد بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه (٣٢٠٥٦).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
