وقوله : (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) ، أي : من إعياء وتعب ونصب ، وفيه نقض قول اليهود ـ لعنهم الله ـ صراحا ، ونفي إيهام المشبهة في قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : ٥٤] ، ويتبين المراد من قوله ـ عزوجل ـ : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : ٥٤] أما نقض قول اليهود ـ لعنهم الله ـ فإنهم يقولون : خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ، ثم استراح في يوم السبت ، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا ، فالله ـ عزوجل ـ أخبر أنه لم يمسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لغوب على ما زعمت اليهود ـ لعنهم الله ـ فيكون ردّا لقولهم صريحا.
وأما نفي إيهام المشبهة ؛ فإنهم توهموا أن قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : ٥٤] على إثر خلق السموات والأرض وما بينهما في آية أخرى : أن ذلك للراحة ، فشبهوا الله تعالى بالخلق : أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء ، إنما يستوون للراحة ، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة ، فالله تعالى نفى التعب عن نفسه في خلق السموات والأرض ؛ [فدل] على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار ، كما في الشاهد بين الخلق وبيّن تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة ، وشبهوه بالخلق ، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السموات الأرض أن المراد منه التمام ، أي : تم ملكه بعد خلق السموات والأرض وما بينهما بخلق العرش ، ويذكر الاستواء ويراد به التمام ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة : اللغوب : الإعياء ، يقال : لغب يلغب لغوبا فهو لاغب.
وأصله ما ذكرنا : أن خلق الله تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له ، ولا بالآلات ، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد ؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون ، فأما الله تعالى إنما يخلق الأشياء بقوله : كن ، ولا يلحقه شيء من ذلك ، وهو قادر بذاته ، فاعل لا بآلة وسبب ؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) ، أي : فاصبر على ما يقولون فيك : إنك ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، ونحوه ، فأمره بالصبر على ذلك ، وألا يدعو عليهم بالهلاك.
ويحتمل : فاصبر على ما يقولون في الله من معاني الخلق ، فلا تحاربهم ، ولا تقاتلهم ، ولا تدعو عليهم بالهلاك ، ولكن اصبر ؛ فإن الله تعالى ينتقم منهم لك.
وإنما أمره بالصبر ؛ لأن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان سريع الغضب لله تعالى فيما عاين من المناكير وسمع ، وكذلك جميع الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في الله أو فيه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
