وقال القتبي : (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ) ، أي : طافوا ، وتباعدوا ، (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) أي : هل يجدون من الموت محيصا؟ أي : مفرا.
ويحتمل : أي : تقلبوا في البلاد في تجاراتهم ، فلا يجدون ملجأ يرد به هلاكهم.
يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟!
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) يحتمل وجوها :
أحدها : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى) أي : عظة ممن كان له قلب.
والثاني : فيما ذكر من إهلاك الأمم الخالية ، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لذكرى لمن ذكر.
والثالث : أي : فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا ، والصالح والطالح ـ لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما.
وقوله : (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) ، أي : عقل وفهم.
أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.
وإنما كنى بالقلب عن العقل ؛ لأن الناس اختلفوا :
بعضهم قالوا : إن القلب محل العقل.
وقال بعضهم : محله الرأس ، لكن نوره يصل إلى القلب ؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل ؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل ؛ لمجاورة بينهما ، وهو سائغ في اللغة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ، أي : يستمع وهو شاهد سمعه وقلبه ، وأصله : أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك ، والإصابة.
ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان :
[الأول :] التأمل والنظر في المحسوس.
والثاني : أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له ، فكأنه يقول ـ والله أعلم ـ : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب ، وينظر ، ويعي ، ويحفظ.
أو (أَلْقَى السَّمْعَ) ، أي : يستمع بما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب ؛ فتكون الذكرى لمن اختص بهذين ، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل ، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها.
أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع ، فيتذكر ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السموات والأرض في ستة أيام.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
