أو متى أظهروا الإيمان يصير المسلمون أعوانا لهم ، ونحو ذلك.
هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه ، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة ، لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم ؛ إذ به نجاتهم ، وإليهم يقع نفعه ، ليس في الإيمان لله ـ تعالى ـ نفع ، ولا في تركه ضرر ، تعالى عن الضرر والنفع ، فيكون الامتنان لله ـ تعالى ـ عليهم كما قال : (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).
ثم [في] قوله ـ عزوجل ـ : (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) نقض قول المعتزلة : إنه يجب على الله ـ تعالى ـ أن يهديهم ؛ لقولهم بالأصلح ، فإنه قال : (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منة ؛ لأنه مؤد [ما] عليه لهم من الحق ، ومن أدى حقّا عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق ، وكذلك في قوله ـ تعالى ـ : (فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً) [الحجرات : ٨] لو كانت الهداية [واجبة] عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعما ، بل يكون لهم عليه الامتنان ، ومنهم الإفضال والإنعام ؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقّا واجبا لهم ؛ فدل على فساد مذهبهم.
وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب ؛ لوجهين :
أحدهما : لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعا ، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم.
والثاني : أن البيان قد عم الكافر والمؤمن ، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم ، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير ، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم ؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية : الإسلام ، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين ، والله الموفق.
ثم الهداية المذكورة ـ هاهنا ـ تحتمل وجهين :
أحدهما : خلق فعل الاهتداء منهم.
والثاني : التوفيق والعصمة ؛ كأنه يقول : بل الله يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان ، وعصمكم عن ضده ، وكذلك يخرج قوله ـ تعالى ـ : (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات : ٧] على هذين الوجهين : وفقكم له وعصمكم عن ضده ، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) هذا يخرج على الوعيد ؛ أي : هو بصير بما أسروا وأعلنوا ، ليكونوا أبدا على يقظة وحذر ، ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
