وجائز أن يكنى ببطن مكة ؛ أي : قربها.
وقال بعضهم : (بِبَطْنِ مَكَّةَ) أي : الحرم ، والحرم كله مكة ، والوجه فيه ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) لم يزل الله ـ تعالى ـ عالما بأعمالهم ، بصيرا.
وفيه دلالة خلق أفعالهم ؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء ، ثم قال : هو عالم بما تعملون بصيرا ؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي : صدوهم عما قصدوا ، وهو الطواف بالبيت والزيارة له ، وذلك في المسجد الحرام ؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) وقوله : (مَعْكُوفاً) أي : محبوسا ، والمعكوف هو الحبس ، ومنه سمي العاكف والمعتكف.
ثم قوله : (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى ، فأما الحرم نفسه فليس هو محله ؛ فكأنه قال : وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة ؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان ـ عليهالسلام ـ معتمرا ، وذكر أنه كان متمتعا ، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط ، وخرج عن حكم المتعة ، ويعود إلى مكة ، وله أن يصرفه إلى ما شاء ؛ ألا ترى أن النبي صلىاللهعليهوسلم نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم ؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط ، ويخرج عن حكم المتعة.
وفيه أن دم الإحصار لا يجوز إراقته إلا في الحرم ؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعا عندنا ، فإنما كان نحرها في الحرم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ) أي : تقتلوهم وتهلكوهم (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي : لو لا ما فيها ـ أعني : في مكة ـ من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات ، لأتم لكم الظفر بهم ، ودخلتم عليهم ، لكن منعكم عن دخولكم مكة ؛ لما ذكر.
ثم اختلف في قوله ـ تعالى ـ : (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال بعضهم : لزمكم الدية بقتلهم ، وكذا روي عن محمد بن إسحاق (١).
__________________
(١) أخرجه ابن جرير عنه (٣١٥٧٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
