ثم قوله ـ عزوجل ـ : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) يخرج على وجهين :
أحدهما : يرجع إلى ذنبه ؛ أخبر أنه غفر له.
ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟ وأيش كانت زلته؟ لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه ، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر ، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ ليس نظير ذنبنا ؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا ، لكنهم نهوا عن ذلك ، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله ـ عزوجل ـ : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) أي : يغفر ذنبه ابتداء غفران ؛ أي : عصمه عن ذلك ، وذلك جائز في اللغة ، والله أعلم.
والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته ؛ أي : ليغفر لك الله ذنوب أمتك ، وهو ما يشفع لأمته ، فيغفر له ؛ أي : لشفاعته ، وهو كما روى في الخبر : «يغفر للمؤذن مدّ صوته» أي : يجعل له الشفاعة ، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) أي : يغفر لأمته بشفاعته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة ، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة ، والشفاعة له في الآخرة ، أو إظهار دينه على الأديان كلها ، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم ؛ كقوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...) الآية [المائدة : ٣] ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) ، يحتمل : أي : ينصرك نصرا عزيزا بالغلبة عليهم ، والقهر ، والظفر ، لا صلحا ، ولا موادعة ، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل : نصرا عزيزا لا يستذل ولا يسترذل ، وظاهر الآية ليس على ذلك ؛ لأنه قال على إثره : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) ؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سببا للمغفرة ؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا ، لا ما ذكره [أهل التأويل] إلا أن يقال : إن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح ، وهو القتال مع الكفرة ، ونحو ذلك ، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة ، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه ، والقتال منهم ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّا ، ولا يكتب كتابا ، ولا يفهم كتابه ، وهو ما وصفه الله ـ جل وعلا ـ بقوله : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت : ٤٨] لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر ، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه ،
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
