وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) أي : أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر ، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر ، لأدركوا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ...) الآية.
فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه ، لأدركوا ما فيه.
وفيه ـ أيضا ـ أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها ، وذهب بها ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) أي : على قلوب أقفالها.
ثم يحتمل أقفالها : الظلمة التي فيها ، وهي ظلمة الكفر ، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) أي : زين ، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان ، ومرة إلى نفسه ، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله ـ تعالى ـ كالإضلال المضاف إلى الله ـ تعالى ـ والمضاف إلى الشيطان ، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان ؛ فعلى ذلك التزيين.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَمْلى لَهُمْ) أي : أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ...) الآية [آل عمران : ١٧٨] ، أي : يؤخرهم ؛ ليكون ما ذكر ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ...) الآية ، جائز أن تكون الآية في اليهود ؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث ؛ كقوله : (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ...) الآية [البقرة : ٨٩] ، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين ، ارتدوا على أدبارهم ، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعد ما أظهروا الموافقة في حياته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ) إن كان راجعا إلى قوله : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ) فإن كان المراد بذلك اليهود ـ فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ) راجعا إلى قوله : (الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ) فإذا احتمل ذلك
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
