اختلف في تأويل هذه الآية :
قال بعضهم (١) : قوله ـ تعالى ـ : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) أي : فلعلكم (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي : وليتم أمر هذه الأمة (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : قد كان هذا ، وهم بنو أمية ، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام ، وكان لهم اتصال برسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وكان منهم ما ذكر ، والله أعلم.
وقال بعضهم : إن الآية في المنافقين ؛ كانوا يأتون رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويسمعون منه ما قال ، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ...) إلى قوله : (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ ...) إلى قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) [البقرة : ٢٠٤ ـ ٢٠٥].
وقال بعضهم (٢) : ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية ، وهم الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال : (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) [آل عمران : ١٤٤] وقد انقلبوا ، على ما أخبر ، وهو في أهل الردة ، والله أعلم.
وقال قتادة (٣) : (فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) [محمد : ٢١] ، أي : طواعية الله ورسوله ، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم ، (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) يقول : إن توليتم عن كتابي وطاعتي (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يقول : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ، ألم يسفكوا الدماء الحرام ، وقطعوا الأرحام ، وعصوا الرحمن ، وأكلوا المال الحرام؟!
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله صلىاللهعليهوسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ) اللعن : هو الطرد عن الرحمة ، وهو كقوله لإبليس : (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) [ص : ٧٨] أي : أنت مطرود عن رحمتي ، وقوله ـ تعالى ـ : (لَعَنَهُمُ اللهُ) أي : طردهم عن رحمته.
__________________
(١) انظر : تفسير ابن جرير (١١ / ٣٢٠).
(٢) قاله بكر بن عبد الله ، المزني أخرجه عبد بن حميد عنه كما في الدر المنثور (٦ / ٤٩).
(٣) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير (٣١٣٩٩) ، (٣١٤٠٠) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٤٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
