من كان على بينة منه ، وبيان ، على علم بذلك ، ويقين ، والله أعلم.
والثاني : فيه ذكر دلالة البعث ، يقول ـ والله أعلم ـ : لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه ، وقد استويا في هذه الدنيا : انتفع هذا كما انتفع الآخر ، وفي العقول لا استواء بينهما ؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك دارا أخرى ، ثم يفرق بينهما ويميز ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) هذا يخرج على وجوه :
أحدها : أن قوله ـ تعالى ـ : (وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) على حقيقة المثل ، كأنه يقول : مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية ، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها ، وتحرص في طلبها ؛ لتكون تلك الجنة لها ، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها ، ولا تحرصون في طلبها؟ والله أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله ـ تعالى ـ : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) أي : ليس من كان خالدا في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني : يحتمل قوله ـ تعالى ـ : (الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ما ذكر ، فيخرج على الصلة ؛ لما تقدم من قوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي : صفتها (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ...) كذا وكذا الآية ، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) يحتمل أن يكون صلة قوله : (وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال : (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً ...) الآية.
والثالث : يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم ، ليس كمن وعد له النار ؛ ألا ترى أنه ـ جل وعلا ـ ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) أي : ليس هذا كهذا ، ولا سواء بينهما ، أي : لا مساواة ، وهو كقوله ـ تعالى ـ فيما تقدم من حيث قال : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) ، أي : ليس هذا كهذا ؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار ؛ أي : ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر ، والله أعلم.
ثم قال : (أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ...) الآية ، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه ،
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
