السلام ـ من بين أظهرهم أهلكهم ، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب ؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة ، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم ؛ لأنه بعثك إليهم رحمة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] ، أو أخر ذلك عنهم ؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ ليبقي شريعته إلى يوم القيامة ، ولو أهلكهم واستأصلهم ؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته ، وقد وعد أنها تبقى ، وأنه رحمة لهم ، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشا من هؤلاء ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم ، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله ، ولا مانع يمنعهم عنه ، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (أَخْرَجَتْكَ) أضاف الإخراج إلى قومه ، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم ؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه ، لكنه أضاف الإخراج إليهم ؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم ، فكأنهم قد أخرجوه ، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء ـ عليهماالسلام ـ من الجنة بقوله : (فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ) [البقرة : ٣٦] ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة ، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج ، فكأنه وجد الإخراج منه ، وأصله : أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها ، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلا ناصِرَ لَهُمْ) هو خبر من الله ـ تعالى ـ أي : لا يكون لهم ناصر ، وهو يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يكون ناصر في الآخرة.
والثاني : على إضمار ؛ أي : لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) لم يخرج لهذا الحرف جواب ؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ، واتبع هواه ، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول : ليس المحسن كالمسيء ، وليس من يحسن كمن يسيء ، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب ، فعلى ذلك هذا.
ثم في ذلك وجهان :
أحدهما : يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
