وقوله ـ عزوجل ـ : (ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) قوله : (ذلِكَ) أي : ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله ـ تعالى ـ : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ...) إلى قوله : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ) لأوليائه من أعدائه بلا قتال ، ولا نصب الحروب فيما بينهم ، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكا ، ويقهرهم قهرا ، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم ، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي : يمتحن بعضكم بقتال بعض ، وبأنواع المحن : أنشأ الله ـ عزوجل ـ هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابها لبعض غير مخالف بعضهم بعضا فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال ، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب ، والمحق من المبطل ، والموافق من المخالف ، والمتحقق من المضطرب ، والموقن من الشاك ؛ على ما ذكر ـ تعالى ـ : (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف : ١٦٨] ، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء : ٣٥] ، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك : ٢] ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [و] التحقيق وغيره.
ثم لو كان ـ جل وعلا ـ انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصرا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه ـ لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار ، لا بحق الاختيار ؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم ؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال ، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم ، فلا يظهر المختار من غيره ؛ لذلك كان ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : يقول : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال ، (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم ، (سَيَهْدِيهِمْ) ، أي : يوفقهم ثانيا ـ مرة أخرى ـ للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا ، ويدخلهم في الآخرة الجنة.
والثاني : أي : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) في الآخرة ، (سَيَهْدِيهِمْ) في الآخرة الجنة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
