نجا منكم إلا عمر» أو كلام نحوه ـ دل أن الحكم فيهم القتل ؛ أعني : في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر ـ رضي الله عنه ـ بالقتل ؛ لذلك قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما نجا إلا عمر» فدل هذا الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك ، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم ، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه ، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.
ثم قال بعضهم : الآية ـ وهو قوله : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) ـ تخالف من حيث الظاهر لقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ) [التوبة : ٥] ونحو ذلك ، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين : هذه في قوم ، والأخرى في قوم آخرين ، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها).
قال بعضهم (١) : حتى يخرج عيسى بن مريم ـ عليهماالسلام ـ فعند ذلك تذهب الحروب والقتال ، أي : اقتلوهم ، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى ـ عليهالسلام ـ وقال بعضهم : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) أي : حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.
وقال بعضهم (٢) : حتى يذهب الكفر والشرك ، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة : ١٩٣] ، أي : شرك وكفر ، والله أعلم.
قيل : الإثخان : هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أبو عوسجة : (أَثْخَنْتُمُوهُمْ) ، أي : أكثرتم فيهم القتل والجراحة ، ويقال في الكلام : ضربته حتى أثخنته : حتى لا يقدر أن يتحرك ، والوثاق : ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه ؛ يقال : أوثقته واستوثقت منه.
وقوله : (أَوْزارَها) أي : أثقالها ، واحدها : وزر ، وهو الثقل.
وقال القتبي : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) أي : يضع أهل الحرب السلاح. وأصل الوزر ما حملته ، فسمّى السلاح : وزرا ؛ لأنه يحمل ، والله أعلم.
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٣١٣٥٣) والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢١) وهو قول سعيد بن جبير أيضا.
(٢) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير (٣١٣٥٤) ، (٣١٣٥٥) وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢١) وهو قول الحسن أيضا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
