أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد ؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردّا على قولهم ؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك ، وأنّه لا يملكه ، وكذلك قوله : (وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ) ، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه ، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم ، وبالله العصمة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) كأن لهم عملان : حسنات وسيئات ، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم ، ويجزيهم جزاءها ، ويتجاوز عن سيئاتهم ويكفرها ، ولا يجزيهم جزاءها ؛ فضلا منه ورحمة ، والمراد من الأحسن : الحسن ، ويجوز ذلك في اللغة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ) أي : ذلك الذي أخبر وذكر أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم ، وهو قادر على وفاء الوعد ، ومن يكون منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة :
إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد.
أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك.
أو حاجة.
والله ـ سبحانه وتعالى ـ يتعالى عن ذلك كله ؛ للقدرة الذاتية ، والغنى الذاتي ، والعلم الأزلي ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ...) إلى آخر ما ذكر.
خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ ووالدته فلانة ، والآية الأولى في أبي بكر الصديق ووالديه ، وهي قوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ)(١) فيقولون : إن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما ، والشكر لهما ، وسأل التوفيق في الشكر له به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه ، وعبد الرحمن ابنه قد عصى والديه وخالفهما فيما يدعوانه إليه ، وقال لهما قولا رديّا ؛ حيث قال : (أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من القبر وأحيا (وَقَدْ خَلَتِ) من قبلي من القرون فلا أراهم بعثوا (٢) ، ونحو ذلك من الكلام.
إلا أن هذا لا يصح ؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة ـ رضي
__________________
(١) أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٠).
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه (٣١٢٧٥) ، وانظر الدر المنثور (٦ / ١٠ ، ١١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
