يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب ؛ لإنكارهم البعث ـ لم يكن خلقهما بالحق ؛ على ما ذكرنا ، فتبين أنه إنما صار خلقهما [بالحق] إذا كان هنالك جزاء ؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث ، ليست فيما ذكر أهل التأويل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : على التحقيق ؛ على ما قاله عامة أهل التأويل : أنهم عبدوا كل شيء [استحسنوه ، فإذا] استحسنوا شيئا آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني ، فتلك كانت عادتهم ، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم ؛ إذ الإله هو المعبود عندهم ، وهو التحقيق الذي ذكرنا.
والثاني : على التمثيل ، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئا إلا ركبوه ، لا تمنعهم مخافة الله عما هووه ، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا ، فصيروا هواهم متبعا ، فهو كالإله لهم ، لا يتبعون أمر الله ، فلا يكترثون له ، أو كلام نحوه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ) هذا يخرج على وجوه :
أحدها : أي : أضله الله على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق ، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله ؛ أي : قد بين له السبيل وطريق الحق ، لكنه باختياره الضلال أضله ؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر ؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار ، والله أعلم.
والثالث : أضله الله ـ تعالى ـ على علم ؛ أي : أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) ؛ هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : غطى قلبه بما هواه ، وجعل فيه ظلمة ، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر ، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين ، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعا لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر.
ويحتمل أن يكون ما هووه مانعا لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر الله ـ تعالى ـ وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة ؛ كقوله ـ عزوجل ـ : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) [الأنفال : ٢٤] ، وكقوله ـ تعالى ـ : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) [الأنعام : ١٢٢] ، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
