ويحتمل ـ أيضا ـ ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعا مسويا بين الأولياء والأعداء ، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم ، ومن سوى بين وليه وعدوه ، كان سفيها غير حكيم ـ دل أن هنالك دارا أخرى يفصل بينهما ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة ، ولا يعين بعضهم بعضا على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة ، وهو ما ذكر في آية أخرى : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ...) الآية [عبس : ٣٤] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاخْشَوْا يَوْماً ....) الآية [لقمان : ٣٣] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) [البقرة : ١٢٣] ، والله الموفق.
ثم قوله ـ تعالى ـ : (لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً) يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل ، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.
ويحتمل كل ولي وقريب ؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به ، ولا ولي ، ولا يملك نصره ولا معونته ؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله ـ عزوجل ـ : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ...) الآية [الزخرف : ٦٧] ، استثنى المتقين ، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضا حيث قال : (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ) ومن عليه ، وهداه الإيمان ، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا ، ويشفع بعضهم لبعض ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) : (الْعَزِيزُ) في نقمته من أعدائه لأوليائه (الرَّحِيمُ) للمؤمنين الذين استثنى في الآية ؛ حيث قال : (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ).
وقوله : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ) ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم ، لكنها ليست بطعام كل أثيم ؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم ، وهو الكافر ؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه ، وهو الكافر ، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيما مطلقا مع قيام إيمانه وكثير طاعته ؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.
قال بعض أهل [التأويل](١) : إنه [لما] نزل قوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ) أتى بعض الكفار بالعسل والزبد ، وقالوا لأصحابهم : تعالوا نتزقم فإن
__________________
(١) قاله أبو مالك ، أخرجه سعيد بن منصور عنه ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٥٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
