وقوله ـ عزوجل ـ : (يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ) ، يحتمل قوله : (يَغْشَى النَّاسَ) أي : غشي الناس ما ذكر ، وهو عذاب أليم ؛ على تأويل من قال : إنه ماض كائن.
ويحتمل أن يكون قوله ـ تعالى ـ : (يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ) أي : يغشى ، فيقول الناس : هذا عذاب أليم ؛ وهو على قول من يقول : إنه لم يمض بعد ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) أي : إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب ، في معنى الشرط والجزاء ، وهو كقول [قوم] موسى ـ عليهالسلام ـ حيث قالوا : (يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ...) الآية [الأعراف : ١٣٤].
ويحتمل أن يكون قوله : (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) على الحال ؛ كأنهم قالوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.
ثم أخبر الله ـ عزوجل ـ أنهم لا يؤمنون ، وأنهم كذبة فيما قالوا ؛ حيث قال ـ تعالى ـ : (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) يقول : أنى يتوبون؟! أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعد ما خرجت أنفسهم من أيديهم ، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟! والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ) يحتمل : أي : أعرضوا عما جاء به رسول الله صلىاللهعليهوسلم من القرآن.
ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول الله وأمرهم به.
ويحتمل : تولوا عن رسول الله نفسه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ).
قولهم : (مُعَلَّمٌ) لأنهم يقولون : إنما يعلمه بشر.
وقوله : (مَجْنُونٌ) نسبوه إلى الجنون ؛ لوجهين :
أحدهما : ما ذكر : أنه إذا نزل به الوحي ، تغيرت حاله ولونه ؛ لثقل ذلك عليه ، فيقولون : به آفة وجنون.
والثاني : لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه ؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه ، إذن نسبوه إلى الجنون ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ).
قال بعضهم : (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
