(بِدُخانٍ) أي : بجدب وقحط ؛ جعل الدخان كناية عن الجدب ؛ لوجوه :
أحدها : لما يقال : إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخانا من شدة الجوع ، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء ؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع ؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان ، فاستعير له ، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض ، وينقطع النبات ، فيرتفع الغبار ، ويصعد الريح ليبسها ، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة : غبراء ، وقيل : جوع أغبر ؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا ، فيقولون : لو كان بيننا : أمر ارتفع له دخان ، وقالوا : إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان ، فإنه اشتد بهم القحط ، وقلت الأمطار ، ويبست الأرض ، وارتفع الغبار ، وصعدت الريح كالدخان ، وضعفت الأبصار لشدة الجوع ، حتى كانوا يرون السماء كالدخان ؛ على ما روي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : كان أحدهم ينظر إلى السماء ، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع (١).
وقال بعضهم : إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة.
وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : قد مضى الدخان ، وهو سنون كسني يوسف ـ عليهالسلام ـ فجهد الناس (٢) ، والله أعلم.
ومنهم من يقول : هو على حقيقة الدخان ، وأنه لم يمض بعد ، وكذلك روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : الدخان لم يمض بعد ، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ، وينتفخ الكافر حتى ينفذ (٣) ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري (٤) ـ رضي الله عنه ـ والحسن (٥) وغيرهم ، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه ؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان ، كقوله : (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) [المائدة : ٦٤] ، وليس هناك نار ، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر ، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد ؛ يقولون : هاج الدخان وثار ، والله أعلم.
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣١٠٤٣) ـ (٣١٠٤٨) من طرق عنه ، وذكر له السيوطي في الدر المنثور (٥ / ٧٤٣) طرقا أخرى فانظرها.
(٢) أخرجه ابن جرير (٣١٠٥١) ، (٣١٠٥٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٤٤).
(٤) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير (٣١٠٦٠) ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٤٤).
(٥) أخرجه ابن جرير (٣١٠٥٨) ، (٣١٠٥٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
