ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)(٣٥)
وقوله : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) والإشكال : أنه ـ عليهالسلام ـ تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون ، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله ـ تعالى ـ وهم لا يعبدون الذي فطره ، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون ، والاستثناء [إنما يكون] من جنس المستثنى منه.
فنقول : قال بعضهم : إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره ؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره ، [وهو] الله ـ تعالى ـ فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئا عن عبادة الله ـ تعالى ـ لذلك استثنى عبادة الله ، والله أعلم.
لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله ـ تعالى ـ وهو الذي فطره وخلقه ، فما معنى الاستثناء ، فيقال : إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره ، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم ، فيرجع استثناؤه إلى ذلك ، والله أعلم.
ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط ؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد الله ـ تعالى ـ ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئا من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعا ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره ؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله ـ تعالى ـ رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى ؛ لقولهم : (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) [الزمر : ٣] وقولهم : (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) [يونس : ١٨] فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة ، وهو الذي فطرهم ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعا وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن ، معناه : إني براء مما تعبدون ، ولكن أعبد الذي فطرني ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) [مريم : ٦٢] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) [النساء : ٢٩] أي : ولكن تجارة عن تراض ؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل ، ولا السلام من اللغو ، ونحو ذلك كثير ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) ذكر أن هذا الحرف (بُرَآؤُا) على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : سيثبتني على الهدى.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
