ثم قوله : (بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً) أي : شبها بالخلق ، وأنه يخرج على وجهين :
أحدهما : بما جعلوا له ولدا ، والولد هو شبيه الوالد ؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه.
والثاني : في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق ؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولودا من آخر أو يولد آخر منه ، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه ، أو يكون هو شريك غيره ، فيكون البعض شبيها بالبعض ، فمن أثبت لله شريكا وولدا فقد جعله شبيها بالخلق ؛ ولهذا تبرأ الله ـ تعالى ـ من الولد والشريك تبرءوا واحدا بقوله ـ تعالى ـ : (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) [الفرقان : ٢] نفى الولد والشريك عن نفسه نفيا واحدا وبراءة واحدة ، والله الموفق.
وقوله : (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ) يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله : (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ) ، وعلى ذلك قول أهل التأويل : إنهم جعلوا هذه تفسيرا للأولى.
وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى ، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم ، على ما ذكرنا نحن من التأويل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) اختلف فيه : قال بعضهم (١) : هي الأصنام التي عبدوها ، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ ، يقول ـ والله أعلم ـ : ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعا ، ولا ضرّا ، ولا تكلما ، ولا خصومة ، ولا شيئا من ذلك ، ولا يلتفت إليه ، ولا يكترث له ، لو لا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السموات والأرض وما فيها من المنافع ، أي : ليس هذا بسواء لذلك ، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله تعالى الذي منه كل شيء ؛ يصبر رسوله صلىاللهعليهوسلم على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه ، والله أعلم.
وقال بعضهم (٢) : قوله : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) هي الإناث ؛ يقول ـ والله أعلم ـ : إن الأنثى ضعيفة ، قليلة الحيلة ، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة ؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ ، يقول ـ والله أعلم ـ : كيف نسبوا إلى الله ـ عزوجل ـ ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر ، وقد اتقوا هم منها ، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور ، وهو صلة قوله ـ عزوجل ـ : (أَمِ
__________________
(١) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنه (٣٠٨٠٠).
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٠٧٩٤) وهو قول مجاهد وقتادة والسدي.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
