قال عامة أهل التأويل (١) : أي : الكفرة جعلوا لله ـ تعالى ـ من عباده أنثى ، أي : بنتا.
وقال الزجاج : (جزءا) أي : بنتا ، وقال : إن الجزء عند بعض العرب البنت ؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم ، وهم مختلفون في كفرهم ؛ يقول الثنوية بالاثنين ، يقولون : إن الله ـ تعالى ـ هو خالق الخيرات ، وخالق الشرور غيره ؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟ فهؤلاء الثنوية جعلوا لله ـ تعالى ـ من عباده جزءا وهو الخيرات ، ولم يجعلوا له الجزء الآخر ، ومشركوا العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءا لله ـ تعالى ـ وجزءا لشركائهم ؛ حيث قال : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا) [الأنعام : ١٣٦] ، فهؤلاء جعلوا له جزءا مما رزقهم ، وهو الظاهر ، وفريق آخر جعلوا له جزءا من عباده وهو الإناث ، ولم يجعلوا لله البنين ، كقوله ـ تعالى ـ : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ) [النحل : ٥٧] فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ) أي : كفور لنعمه (مُبِينٌ) أي : يبين كفرانه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ) هو على الإضمار ؛ كأنه يقول : أم يقولون : اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين ، وهو ما ذكر في آية أخرى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ) [النحل : ٦٢].
ثم قوله ـ تعالى ـ : (أَمِ اتَّخَذَ) أي : قالوا : بل اتخذ مما يخلق بنات.
يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم ؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل ، وما ذكروا من اتخاذ الولد ، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله ، وما أقروا حين سئلوا : من خلق السموات والأرض؟ أن الله هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل ، وهم ينكرون الرسل ، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم ؛ لأن من ادعى ولدا لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق ، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم ، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل ؛ فتناقض دعواهم وتضمحل ، على ما ذكرنا.
ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عند ما يولد لهم من الإناث ، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله ـ تعالى ـ : (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ).
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٣٠٧٨٧) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧١٧) وهو قول السدي.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
