جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف النبات والثمار واختلاف أجناسها وجواهرها ؛ ليعلم أن من قدر على إحياء الأرض بذلك المعنى الذي جعل في الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف جواهرها وأجناسها ـ لا يحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره ؛ إذ الأعجوبة فيما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء ، وموافقة المعنى المجعول في الماء جميع ما ذكر ـ أعظم وأكثر من البعث ؛ لأنه إعادة ، وذلك ابتداء ، فمن ملك وقدر على ما ذكر من الأشياء فهو على البعث أقدر وأملك ؛ ولذلك قال الله تعالى : (كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) أي : تبعثون ، والله الموفق.
وقوله : (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها) جائز أن يدخل فيما ذكر من خلق الأزواج كلها جميع ما يكون لها أزواج من مقابلات وأشكال ؛ إذ التزاوج قد يقع ويستعمل في الأضداد والأشكال من الأفعال والجواهر من الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ؛ فيكون في ذلك دلالة خلق أفعال العباد إذ أخبر أنه خلق الأزواج كلها ، وبين هذه الأفعال ازدواج وإن كانت متضادة متقابلة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ) فيه ما ذكرنا من الوجوه : أنه فرق حوائج الخلق في أمكنة بعيدة ، وبينهم وبين أمكنة حوائجهم مفاوز وفيافي وبحار ، فجعل لهم في المفاوز أنعاما يركبونها ؛ ليصلوا إلى حوائجهم ، وفي البحار سفنا ليركبوها ؛ ليصلوا إلى حوائجهم التي في البحار ؛ يذكرهم نعمه ؛ ليتأدى بذلك شكرها ، ويذكرهم قدرته أن من ملك هذا وقدر لا يعجزه شيء.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) جعل ظهوره بحيث يستوون عليها ويقرون ، وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها ولا يقرون ، وهذا من نعمة الله تعالى عليهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) ثم نعمته تخرج على وجوه :
ما ذلل لهم من الأنعام وسخرها لهم بقوتها وشدتها.
أو جعل لهم أن يستعملوا الدواب وهي تتألم وتتلذذ كما تتألمون وتتلذذون ، ثم جعلها متعة لهم ، لا أن جعلوا لها.
أو أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها : الإسلام والتوحيد ، قولوا : الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وتقولوا : (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ).
أو يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النعم العظيمة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
