لموسى ـ عليهالسلام ـ : (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) [الأعراف : ١٤٣] أي : فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت ، والله أعلم.
وفي الآية : أن الله ـ تعالى ـ يكون مكلما للبشر بالرسول ، وإن لم يشافهه المرسل ، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز ؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول كلام المرسل ، وكذلك في قوله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) [التوبة : ٦] لا يكون ما يسمع من الرسول ـ عليهالسلام ـ كلام الله حقيقة ، وكذا ما يقال : سمعت من فلانة قول فلان ، أو حديث فلان كله ، على المجاز ، ليس على التحقيق ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً ...) الآية ـ قول أولئك الكفرة ؛ حيث أخبر الله ـ تعالى ـ بقوله : (وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ...) الآية [البقرة : ١١٨] ، وقولهم : (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا) [الفرقان : ٢١] سألوا أن يروا ربهم جهارا ، فقد حجبوا عن رؤية الله ـ تعالى ـ في الدنيا والآخرة ، حيث قال : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين : ١٥] وسألوا أن يكلمهم شفاها ، فأخبر أنه لا يكلم أحدا شفاها ، ولكن يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة ؛ حيث قال : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) ردّا عليهم ، فأخبر الله ـ تعالى ـ : أن طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا ، وقد كلم البشر من هذه السبيل والطريق التي ذكر ؛ حيث قال : (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الأعراف : ٣] أخبر أنه أنزل إليهم ما ذكر ، كما أنزل على الرسول ، وحيث قال : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ...) الآية [التوبة : ٦] ، وغير ذلك من الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر ، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر.
وقوله : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) كأنه يقول : هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك.
وقوله : (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا).
قال بعضهم (١) : (رُوحاً) جبريل بأمرنا.
وقال بعضهم : أي : أوحينا إليك أمرا من أمرنا.
وقال بعضهم (٢) : (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) أي : الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه ، سماه :
__________________
(١) قاله الربيع بن أنس كما في تفسير البغوي (٤ / ١٣٢).
(٢) قاله الكلبي كما في تفسير البغوي (٤ / ١٣٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
