والثاني : قوله : (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ) أي : خسروا بسبب أنفسهم ، وبسبب أهليهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن : ١٥] ؛ لما يعملون أمورا بسبب الأموال والأولاد والأزواج ، هي فتنة لهم ، وكقوله : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) [التغابن : ١٤] فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذا بسبب هؤلاء.
والثالث : يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا : (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) [الكهف : ٣٦] ، وقوله : (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت : ٥٠] خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى.
على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية.
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ليس من أحد من كافر ومسلم إلا وله أهل ومنزل في الجنة ، فإن أطاع الله ـ تعالى ـ أتى منزله وأهله ، وإن عصاه خسر نفسه وأهله ، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه.
لكن لا يحتمل أن يكون الله ـ عزوجل ـ مع علمه أنه يموت كافرا أن يجعل له الأهل والمنزل في الجنة ، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك وغيظا.
وقوله : (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : ما كان للأصنام التي عبدوها دون الله تعالى ولاية النصر لهم وقدرة دفع العذاب عنهم ؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وأن تزلفهم ، فأخبر الله ـ تعالى ـ أن ليس لها ولاية النصر لهم ؛ على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم ، والله أعلم.
والثاني : (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : ما كان للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أربابا ولاية النصر لهم ؛ لأنهم لا يملكون دفع ذلك عن أنفسهم ، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم ؛ يخبر أن ليس لهم ولاية دفع العذاب عنهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) يحتمل قوله : (فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) أي : من حجة ، أي : من أضله الله ، فلا حجة له أن يقول : إنك أضللتني ؛ لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره.
والأصل : لا أحد يفعل ما يفعل من المعاصي وقت فعله لأن الله تعالى قضى له ذلك أو أراده ، أو قدره وقضاه ؛ إنما يفعله لغرض له وهواه ؛ فلم (١) يكن له الاحتجاج عليه بذلك ، وبالله العصمة.
__________________
(١) في أ : لم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
