سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة ؛ ليظهروا الطاعة لله ـ تعالى ـ في أوامره ونواهيه ، والله أعلم.
وقوله : (وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) قال أهل التأويل (١) : يعرضون على النار قبل أن يدخلوها ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) [الفرقان : ١٢] وكقوله ـ تعالى ـ : (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ...) الآية [الفجر : ٢٣].
وقوله ـ عزوجل ـ : (خاشِعِينَ) من الذل ؛ لأن الله ـ تعالى ـ أذلهم في الآخرة بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم ، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ما ذكر في آية أخرى : (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) [إبراهيم : ٤٣] ؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رءوسهم ، ولا ينظرون إلى موضع.
ويحتمل أن يكون قوله : (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) أي : لا ينظرون إلى الناس ، ولا يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل ؛ حياء منهم ؛ لسوء فعالهم ، وهكذا المعروف في الناس ؛ لأن من صنع إلى آخر سوءا لا يتهيأ له رفع الطرف إليه ونظره إليه متصلا إلا على التلصص منه والتغفل ؛ فعلى ذلك أولئك ، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل (٢) : إنهم يحشرون عميا ؛ فلا يرون بأعينهم ، إنما يرون بقلوبهم ، وهو الطرف الخفي.
وقال القتبي : (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) ، أي : قد غضوا أبصارهم من الذل.
وقال أبو عوسجة : أي : ينظرون نظرا مستقيما ، والله أعلم.
وقوله : (وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...) ، الآية.
يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه :
أحدها : ما ذكر بقوله ـ تعالى ـ : (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) [التحريم : ٦] أمروا بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار ، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل خسروا ، والله أعلم.
__________________
(١) قاله البغوي (٤ / ١٣١).
(٢) قاله ابن جرير (١١ / ١٥٩) ، والبغوي (٤ / ١٣١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
