قوله تعالى : (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٤٣)
وقوله : (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أن الله ـ تعالى ـ أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا ؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية ، وكذلك ما أعطاهم من السمع ، والبصر ، وغير ذلك من الحواس ؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى ، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي : خاسرا عابثا ، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى : أصم أبكم أعمى ، وكذلك النفس ؛ إذ المرء [لم] يكتسب بها حياة دائمة سمي : ميتا ، والله أعلم.
أو أن يقال : إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيبا فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة ، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيرا وترهيبا عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة.
ثم قوله : (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي : تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى ، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم ، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟ بقوله : (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) آمنوا بأن له الدنيا والآخرة ، وأن له الخلق والأمر ، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، أي : يكلون أمورهم إلى ربهم ، هو مفزعهم ومعتمدهم ، لا يفزعون إلى أحد سواه ، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم.
ثم نعتهم ـ أيضا ـ بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال : (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ) جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش ، والفواحش هي كبائر الإثم ، كل واحد منهما في معنى الآخر ، والله أعلم.
وقال بعضهم : كبائر الإثم : أنواع ما بها يصير المرء مشركا ، وهي كبائر الشرك ، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا.
وقيل : الكبيرة : ما يكبر ويعظم من الذنب ، والفاحشة : ما يفحش من العمل ، وقد
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
