وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : سمى المؤمن : صبورا شكورا.
والثاني : سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر : صبورا ، ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها : شكورا ، والله أعلم.
وقوله : (رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ) قال أبو عوسجة والقتبي : أي : وقوف ، وصرفه : ركد يركد ركدا وركودا.
وقوله : (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) جائز أن يكون هذا صلة ما ذكر من السفن الجواري في البحر ؛ حيث قال : (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ) يقول : إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين رواكد في الماء ، وإن شاء أرسل ريحا عاصفة شديدة فيهلكن ـ يعني : السفن ـ وأراد : أهل السفن ؛ بما كان منهم ؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في البحر أو الإبقاء فيه ، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالما ، والله أعلم.
وكذا قال أبو عوسجة (يُوبِقْهُنَ) أي : يهلك أهل السفن.
ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله ـ تعالى ـ : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم تبلغ النفس ؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر ، ثم أخبر أنه يعفو عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم ، والله أعلم.
وقوله : (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) المجادلة في آياته تخرج على وجهين :
أحدهما : أن يجادلوه في تقدير أحكام الله ـ تعالى ـ وفهم ما ضمن فيها ، وذلك ممدوح محمود ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت : ٤٦] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) [الكهف : ٢٢] فهذه المجادلة ، والمراء المذكور في هذا محمود.
والمجادلة الثانية : هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله ـ تعالى ـ عن فهم ما ضمن [فيها] ، وهي مذمومة ، وما ذكر هاهنا من قوله : (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا) هي المجادلة في دفع أحكام آياته ، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
