عليهم ووسع ، لزمهم الشكر ، والبسط ، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) قد تقدم تأويله.
ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة :
أحدها : إلى أهل الكفر : أنه لو وسع عليهم وبسط ، لبغوا في الأرض ، أي : صاروا كلهم أهل كفر وضلال ، كقوله ـ تعالى ـ : (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ ....) الآية [الزخرف : ٣٣].
والثاني : يتوجه إلى خاص من المؤمنين ؛ لما علم منهم : أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض ؛ فضيق عليهم وقتر ؛ امتنانا منه وفضلا ؛ لئلا يبغوا ، وهو كما ذكرنا في أحد تأويل قوله ـ تعالى ـ : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : ٥٦] : أنه إن كان على حقيقة خلقهم ، فهو في الذين [علم] منهم أنهم يعبدونه لا محالة ؛ ليعبدوه على ما ذكر ، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة ، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم ، والله أعلم.
فعلى ذلك قوله : (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) يرجع إلى قوم خاص يعلم الله ـ تعالى ـ منهم : أنه لو بسط عليهم ووسع ، لبغوا في الأرض ؛ فضيق عليهم ؛ فضلا منه ومنة ؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له ، والله أعلم.
أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر : أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعا ملوكا ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم ، وفي ذلك التفاني والفساد ؛ فوسع على بعضهم وبسط ، وضيق على بعض ؛ لئلا يبغي بعض على بعض ، إذ في ذلك تفان وتفاسد ، والله أعلم بذلك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) ، يحتمل قوله : (مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا) أي : من رحمته.
أو (مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا) من الأصنام التي عبدوها ؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند الله ، قنطوا ما رجوا منها ، كقوله : (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء : ٦٧].
ثم سمى المطر : رحمة وغيثا ، أي : الغوث ؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم ، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق ؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
