وأصله : أن الخلق ذو أعداد ، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد.
والأصل في ذلك : أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه ، فليس يشبه بعضهم بعضا من جميع الوجوه وكل الجهات ، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [لا] من جميع الوجوه ، أو بوجه أو بصفة ، أو بجهة أو بنفس ، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباها بتلك الجهة وبذلك الوصف ؛ فدل أن الله ـ تعالى ـ ليس يشبه الخلق ، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه ، ولا له شبه منهم ، لا ما يرجع إلى النفس ، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم ، ودل قوله ـ تعالى ـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) : أنه شيء ؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية ، لكن يقال : شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء ، والشيء إثبات ، وفي الإثبات توحيد ، ولو لم يكن شيئا لكان يقول : ليس هو شيئا ؛ دل أنه ما ذكر.
وقوله ـ سبحانه ـ : (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ذكر في غير موضع ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، وقال في آية أخرى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) [الأنعام : ٥٩] وقوله : (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [المنافقون : ٧] ، وقوله : (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس : ٨٣] ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه ، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق ؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله ـ تعالى ـ فما ينبغي أن يفهموه من قوله : (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس : ٨٣] ، وقوله ـ تعالى ـ (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) [المائدة : ٦٤] ، وقوله : (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ) [ص : ٧٥] ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق ، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه ، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر ؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها ؛ لما باليد يبسط في الشاهد ، وبها يمنع ، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل ؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال ، والله الموفق.
وقوله : (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) فيه دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوها :
أحدها : ما ذكر في قوله ـ تعالى ـ : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) [الذاريات : ٢٢] ،
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
