والقسم الأخير من حفظ السر هو المحافظة على الأسرار العسكرية والسياسية للدولة الإسلامية ، ووجوبه من البديهيات ، ولهذا نجد أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله إهتمّ بهذا الأمر غاية الاهتمام ، وأوصى كذلك أصحابه بالمحافظة على هذه الأسرار أيضاً ، والكثير من الأنتصارات التي حققّها المسلمون على أعدائهم من المشركين واليهود وقوى الانحراف الاخرى كان بسبب الالتزام والانضباط في هذه المسألة الدقيقة ، فمثلاً نقرأ في قصّة فتح مكّة أنّه لو أنّ تلك المرأة (سارة) كانت قد وصلت إلى مكة وأخبرت المشركين بما يعدّه النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله والمسلمون من الجيوش والقوى العسكرية لفتح مكّة ، فمن الطبيعي أنّ فتح مكة لا يتيسّر للمسلمين بتلك السهولة ، وقد تراق في سبيل ذلك الكثير من الدماء من الطرفين ، ولكن تأكيد النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله على حفظ الطرق وارساله من يعيد هذه المرأة النمامة تسبب في أن يصل جيش الإسلام إلى أسوار مكة بدون أيّة صعوبة وبسرعة فائقة حتى أنّ المشركين انبهروا وتخاذلوا لما تفاجئوا من قوة الإسلام وسرعة المبادرة وعملية المباغتة لهم واستسلموا جميعاً.
ونقرأ في الروايات الإسلامية إشارات إلى هذه المسألة أيضاً بتعبيرات عميقة المغزى ، ومن ذلك :
١ ـ ما ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال : «الظَّفَرُ بِالحَزمِ بِإجالَةِ الرَّأَي ، وَالرَّأي بِتَحصَينِ الأَسرارِ» (١).
٢ ـ وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال : «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوماً بِالإِذاعَةِ فَقَالَ : إِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنُ أو الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ ، فَإِيَّاكُم وَالإِذاعَةِ» (٢).
٣ ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليهالسلام قوله : «إِظهارُ الشَّيءِ قَبلَ أَنْ يَستَحكُمَ مَفسَدَةٌ لَهُ» (٣) ، لأنّ المخالفين عند ما يطلعون عليه فربّما تحركوا في سبيل المنع من تحقيقه ونجاحه.
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الكمات القصار ، الكلمة ٤٨.
٢ ـ مرآة العقول ، ج ١١ ، ص ٦٥.
٣ ـ بحار الانوار ، ج ٧٢ ، ص ٧١.
![الأخلاق في القرآن [ ج ٣ ] الأخلاق في القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3953_alakhlaq-fi-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
