وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب ، فيسأل جاريته كيسه ، فيأخذ منه ما شاء. فإذا حضر مولاها فأخبرته ، أعتقها سرورا بذلك.
وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : من عظم حرمة الصديق ، أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة ، بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكبر من الوالدين. إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات. فقالوا (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء : ١٠٠ ـ ١٠١]. وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك ، قام ذلك مقام الإذن الصريح. وربما سمج الاستئذان وثقل. كمن قدم إليه طعام ، فاستأذن صاحبه في الأكل منه. انتهى.
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً) أي مجتمعين أو متفرقين. روي أن قوما من الأنصار إذا نزل بهم ضيف ، لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وإن قوما كانوا تحرجوا من الاجتماع على الطعام ، لاختلاف الناس في الأكل ، وزيادة بعضهم على بعض. فأبيح لهم ذلك.
وقال قتادة : كان هذا الحيّ من بني كنانة ، يرى أحدهم ؛ أن مخزاة عليه ، أن يأكل وحده في الجاهلية. حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحقل وهو جائع ، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه. واشتهر هذا عن حاتم لقوله :
|
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له |
|
أكيلا فإني لست آكله وحدي |
قال الشهاب : وفي الحديث (شر الناس من أكل وحده ، وضرب عبده ، ومنع رفده) والنهي في الحديث لاعتياده بخلا بالقرى ، ونفي الحرج عن وقوعه أحيانا ، بيان لأنه لا إثم فيه ، ولا يذم به شرعا ، كما ذمّت به الجاهلية.
(فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي إذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا ، فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ، قرابة ودينا. قاله الزمخشري.
أشار رحمهالله ، إلى أن المراد بالأنفس من هم بمنزلتها ، لشدة الاتصال كقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء : ٢٩] ويحتمل أن المسلم ، إذا ردت تحيته عليه ، فكأنه سلم على نفسه. كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله ، كأنه قاتل نفسه. وأما إبقاؤه على ظاهره ؛ لأنه إذا لم يكن في البيت أحد ، يسره أن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله
![تفسير القاسمي [ ج ٧ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3927_tafsir-alqasimi-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
