(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي بالانقياد ، والخشية. والضمير للقرآن أو لله تعالى : (وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي إلى طريق الحق والاستقامة ، فلا تزلّ أقدامهم بقبول ما يلقي الشيطان ، ولا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن ، لصفائها. هذا هو الصواب في تفسير الآية. ولها نظائر تظهر المراد منها كما أشرنا إليه ، لو احتاجت إلى نظير. ولكنها بيّنة بنفسها ، غنية عن التطويل في التأويل ، لو لا ما أحوج المحققين إلى ردّ ما دسه بعض الرواة هنا من الأباطيل. ونحن نسوق ما قيل فيها من ذلك ، ثم نتبعه بنقد المحققين ، لئلا يبقى في نفس الواقف حاجة.
قال ابن جرير الطبري : قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه ، في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ، ما لم ينزل الله عليه. فاشتد ذلك على رسول الله صلىاللهعليهوسلم واغتم به ، فسلّاه الله مما به من ذلك ، بهذه الآيات. ثم ذكر من قال ذلك. فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما ؛ أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم جلس في ناد من أندية قريش ، كثير أهله ، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه. فأنزل الله عليه (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) [النجم : ١ ـ ٢] ، فقرأها رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى إذا بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) [النجم : ١٩ ـ ٢٠] ، ألقى عليه الشيطان كلمتين (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) فتكلم بها ، ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ، ورضوا بما تكلم به.
قالا : فلما أمسى أتاه جبريل عليهالسلام فعرض عليه السورة. فلما بلغ الكلمتين المذكورتين قال : ما جئتك بهاتين. فحزن رسول الله صلىاللهعليهوسلم. فأنزل الله تبارك وتعالى عليه يعزيه (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ) الآية.
وقال القاضي عياض في (الشفا) : اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما في توهين أصله ، والثاني على تسليمه.
أما المأخذ الأول ، فيكفيك أن هذا لم يخرّجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير. وتعلق بذلك
![تفسير القاسمي [ ج ٧ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3927_tafsir-alqasimi-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
