مصداقه ، بإعزاز المنبئ عنه ، وإيراثه ملك جاحده بقوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) أي العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته ، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و (الزبور) علم على كتاب داود عليهالسلام ، ويقال : المراد به كل كتاب منزل. والذكر ـ قالوا ـ التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتب فيه كل شيء قبل الخلق ، والله أعلم. وقوله تعالى : (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. أو إلى العبرة في إيراث الأرض الصالحين ودحر المجرمين. و (البلاغ) الكفاية. وقوله (لِقَوْمٍ عابِدِينَ) أي يعبدون الله ، بما شرعه وأحبه ورضيه. ويؤثرون طاعته على طاعة الشياطين وشهوات النفس (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) أي وما أرسلناك بهذه الحنيفية والدين الفطريّ ، إلا حال كونك رحمة للخلق ، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين. وفي جعله نفس الرحمة مبالغة جلية. وجوز كون (رحمة) مفعولا له. أي للرحمة ، فهو نبيّ الرحمة.
تنبيه :
قال الرازي : إنه عليهالسلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا. أما في الدين فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم ، لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم. فبعث الله تعالى محمدا صلىاللهعليهوسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب. فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب ، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام. ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق ، فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار ، وكان التوفيق قرينا له. قال الله تعالى : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) ، إلى قوله تعالى : (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) [فصلت : ٤٤] ، وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ، ونصروا ببركة دينه. انتهى.
وقد أشرت إلى وجه الرحمة في بعثته صلوات الله عليه ، في (الشذرة) التي جمعتها في سيرته الزكية ، في بيان افتقار الناس جميعا إلى رسالته ، فقلت : كل من لحظ بعين الحكمة والاعتبار ، ونفذت بصيرته إلى مكنون الأسرار ، علم حاجة البشر كافة إلى رسالة خاتم النبيين ، وأكبر منة الله به على العالمين ، فقد بعث صلوات الله عليه وسلامه على حين فترة من الرسل ، وإخافة للسبل ، وانتشار من الأهواء ، وتفرق
![تفسير القاسمي [ ج ٧ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3927_tafsir-alqasimi-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
