وجلّ. وأما قوله تعالى : (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) فليس على ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال. إلا أن يكون قد بلغ الغاية من الجهل. فكيف بنبيّ مفضل على الناس في العلم؟ ومن المحال المتيقن أن يكون نبيّ يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه. وهو يرى أن آدميّا مثله يقدر عليه. ولا شك في أن من نسب هذا للنبيّ صلىاللهعليهوسلم الفاضل ، فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه. فكيف إلى يونس بن متى الذي يقول فيه رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١)(لا تفضلوني على يونس بن متى)؟ فقد بطل ظنهم بلا شك ، وصح أن معنى قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أي لن نضيق عليه كما قال تعالى (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) [الفجر : ١٦] ، أي ضيق عليه. فظن يونس عليهالسلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته لقومه ، إذ ظن أنه محسن في فعله ذلك : وإنما نهى الله عزوجل ، محمدا صلىاللهعليهوسلم عن أن يكون كصاحب الحوت ، فنعم ، نهاه الله عزوجل عن مغاضبة قومه ، وأمره بالصبر على أذاهم وبالمطاولة لهم. وأما قوله تعالى : أنه استحق الذم والملامة ، لو لا النعمة التي تداركه بها ، للبث معاقبا في بطن الحوت ، فهذا نفس ما قلناه من أن الأنبياء عليهمالسلام يؤاخذون في الدنيا على ما فعلوه ، مما يظنونه خيرا وقربة إلى الله عزوجل ، إذا لم يوافق مراد ربهم. وعلى هذا الوجه أقر على نفسه بأنه كان من الظالمين. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. فلما وضع النبيّ صلىاللهعليهوسلم المغاضبة في غير موضعها ، اعترف في ذلك بالظلم. لا على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم. انتهى كلام ابن حزم.
وأقول : إن الذي يفتح باب الإشكالات هو التعمق في الألفاظ. والتنطع في شرحها وتوليد معاني ولوازم لها ، والتوسع في وجوهها توسعا يميت رونق التركيب ونصاعة بلاغته. ومعلوم أن التنزيل الكريم فاق سائر أساليب الكلام المعهودة بأسلوبه البديع. ولذا كانت آية تأخذ بمجامع القلوب رقة وانسجاما. وبلاغة وانتظاما. فلا ترى في كلمه إلا المختارات لطفا ، ولا في جمله إلا الفخيمات تركيبا ، ولا في إشاراته إلا الأقوى رمزا ، ولا في كناياته إلا الأعلى مغزى. ومن ذلك سنته في الملام والوعيد من إفراغ القول في أبلغ قالب شديد ، مما يؤخذ منه شدة الخطب ، وقوة العتب وذلك لعزة الجناب الإلهي والمقام الرباني. فالعربيّ البليغ طبعا ، الذائق جبلة ،
__________________
(١) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، ٣٥ ـ باب قول الله تعالى : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، حديث رقم ١٦٠٠ ، عن ابن عباس ، ونصه : ما ينبغي لعبد أن يقول : إني خير من يونس بن متى.
![تفسير القاسمي [ ج ٧ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3927_tafsir-alqasimi-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
