عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه ، وكان من الجاهلين ، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه ، وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة. انتهى كلام ابن القيم.
ثم أشار تعالى إلى ما امتنّ به على يوسف من رفع قدره بصبره ، وإعلاء منزلته برحمته بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ) (٥٤)
(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) أي أخصه بها ، دون العزيز ، جريا على عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز. قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب إليه ، وكرم نفسه ، وسعة علمه (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) أي فلما أتوا به ، وكلمه ، أي خاطبه الملك وعرفه ، وشاهد فضله وحكمته وبراءته ـ وجوّز أن يكون فاعل (كلّمه) يوسف عليهالسلام ـ (قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) أي ذو مكانة ومنزل ؛ (أَمِينٌ) أي مؤتمن على كل شيء.
روي أن يوسف عليهالسلام لما حضر الملك ، وعبّر له رؤياه ابتهج بحديثه هو وخاصته ، وقال لهم : هل نجد مثله رجلا مهبطا للإمداد الربانيّ؟ وقال ليوسف : بعد أن عرّفك الله هذا فلا يكون حكيم مثلك ، وأنت على بيتي ، وإلى كلمتك تنقاد رعيتي ، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي ، وقد أقمتك على جميع أرض مصر. ونزع خاتمه من يده ، ووضعه في إصبعه ، وألبسه ثياب بزّ ، وجعل طوقا من ذهب في عنقه وأركبه مركبته ، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر ، وينادى أمامه بالخضوع له ، وقال له الملك : لا يمضي أمر ، ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك ، وسماه مخلص العالم ، وزوّجه بنت أحد العظماء لديه. وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة ـ والله أعلم ـ.
قال بعضهم : إن من أمعن النظر في قصة يوسف عليهالسلام ، علم يقينا أن التقي الأمين لا يضيع الله سعيه ، بل يحسن عاقبته ، ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة ، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه ، ولا يخاف صروفه ونوائبه ، فإن الله يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار فإن يوسف عليه
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
