تصبح كبيراً ، بل على العكس من ذلك أصبتَ بالصغار والذلة.
إنّ هذه الجملة توضّح بجلاء أنّ شقاء الشيطان كله كان وليد تكبّره.
في الكافي عن الإمام الصادق عليهالسلام قال : «اصول الكفر ثلاثة : الحرص والاستكبار والحسد ، فأمّا الحرص فإنّ آدم عليهالسلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها ، وأمّا الاستكبار فإبليس حيث امر بالسجود لآدم فأبى ، وأمّا الحسد فإبنا آدم حيث قتل أحدهما صاحب».
ولكن قصة الشيطان لم تنته إلى هذا الحد ، فهو عندما عرف بأنّه صار مطروداً من حضرة ذي الجلال زاد من طغيانه ولجاجته ، وبدل أن يتوب ويثوب إلى الله ويعترف بخطئه فإنّ الشيء الوحيد الذي طلبه من الله تعالى هو أن يمهله ويؤجّل موته إلى يوم القيامة : (قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
ولقد استجاب الله لهذا الطلب ، ف (قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ).
غير أنّ الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا (أي الإمهال الطويل) الحصول على فرصة لجبران مافات منه أو ليعمّر طويلاً ، إنّما كان هدفه من ذلك هو إغواء بني البشر (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ). أي لأغوينهم كما غويت ، ولُاضلنّهم كما ضللت.
ثمّ إنّ الشيطان أضاف ـ تأكيداً لقوله ـ بأنّه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم ، بل سيأتيهم من كل حدب وصوب ، ويسدّ عليهم الطريق من كل جانب (ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).
ولقد نقل ـ في المجمع ـ عن الإمام الباقر عليهالسلام تفسير أعمق لهذه الجهات الأربع حيث قال : «ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ، معناه : اهوّن عليهم أمر الآخرة ؛ ومن خلفهم ، آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم ؛ وعن أيمانهم ، افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة ؛ وعن شمائلهم ، بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم».
وفي آخر آية من الآيات المبحوثة هنا يصدر مرّة اخرى الأمر بخروج الشيطان من حريم القرب الإلهي والمقام الرفيع ، بفارق واحد ، هو أنّ الأمر بطرده هنا اتّخذ صورة أكثر ازدراء وتحقيراً ، وأشد عنفاً ووقعاً ، ولعل هذا كان لأجل العناد واللجاج الذي أبداه الشيطان بالإلحاح على الوسوسة للإنسان وإغوائه وإغرائه ، يعني أنّ موقفه الأثيم في البداية كان منحصراً في التمرد على أمر الله وعدم إمتثاله ، ولهذا صدر الأمر بخروجه فقط ، ولكن عندما أضاف معصية أكبر إلى معصيته بالعزم على إضلال الآخرين جاء الأمر المشدد : (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
