وكما قلنا في ذيل الآية (٣٤) من سورة البقرة : إنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجود عبادة ، لأن العبادة مخصوصة لله سبحانه ، بل السجدة هنا بمعنى التواضع.
في الآية اللاحقة يقول تعالى : أنّه أخذ إبليس على عصيانه وطغيانه و (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ). فتذرّع ـ في مقام الجواب ـ بعذر غير وجيه إذ : (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).
وكأنّ إبليس كان يتصور أنّ النار أفضل من التراب ، وهذه هي أكبر غلطاته وأخطائه ، ولعله لم يقل ذلك عن خطأ والتباس ، بل كذب عن وعي وفهم ، لأنّنا نعلم أنّ التراب مصدر أنواع البركات ، ومنبع جميع المواد الحياتية ، وأهم وسيلة لمواصلة الموجودات الحية حياتها ، على حين أنّ الأمر بالنسبة إلى النار ليس على هذا الشكل.
على أنّ ميزة الإنسان لم تكن في كونه من التراب ، بل إنّ ميزته الأصلية تكمن في «الروح الإنسانية» وفي خلافته لله تعالى.
والظاهر أنّ الشيطان كان يعرف بكلّ هذه الامور ، ولكن التكبر ، والأنانية هما اللذان منعاه عن امتثال أمر الله ، وكان ما أتى به من العذر حجة داحضة ، ومحض تحجج وتعلل.
بقي هنا سؤال وهو : كيف كان يتحدّث الشيطان مع الله ، فهل كان ينزل عليه الوحي؟
الجواب هو : أنّ كلام الله لا يكون بالوحي دائماً ، فالوحي عبارة عن رسالة النبوة ، فلا مانع من أن يكلّم الله أحداً لا بعنوان الوحي والرسالة ، بل عن طريق الباطني أو بواسطة بعض الملائكة ، سواء كان من يحادثه الله من الصالحين الأبرار مثل مريم وام موسى ، أو من غير الصالحين مثل الشيطان.
ولنعد الآن إلى تفسير بقية الآيات :
حيث إنّ امتناع الشيطان من السجود لآدم عليهالسلام لم يكن امتناعاً بسيطاً وعادياً ولم يكن معصية عادّية ، بل كان تمرّداً مقروناً بالاعتراض والإنكار للمقام الربوبي ، لهذا فإنّ مخالفته كانت تعني الكفر وإنكار العلم والحكمة الإلهيين ، فوجب أن يخسر جميع مراتبه ودرجاته ، وبالتالي كل ما له من مكانة عند الله ، ولهذا أخرجه الله من ذلك المقام الكريم ، وجرّده من تلك المنزلة السامقة التي كان يتمتع بها في صفوف الملائكة ، فقال له : (فَاهْبِطْ مِنْهَا).
ثمّ إنّه تعالى شرح له منشأ هذا السقوط والتنزل بالعبارة التالية : (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا).
وأضاف للتأكيد قائلاً : (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ). يعني إنّك بعملك وموقفك هذا لم
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
