الله لئلا يشغل قلبه عنه ولأنه تعالى يرضى بإيتائه أو على حبّ الإيتاء ، يعني : بطيب النفس ، فإن الكريم هو الفرح وطيب النفس بالإعطاء. ومن قوله : (وَآتَى الْمالَ) إلى قوله : (وَآتَى الزَّكاةَ) من باب العفة التي هي كمال القوة الشهوانية ووقوفها على حدّها فيما يتعلق بها ، وقوله : (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) من باب العدالة المستلزمة للحكمة التي هي كمال القوّة النطقية فإنها ما لم تعلم تبعة الغدر والخيانة وفائدة الفضيلة المقابلة لهما ، لم تف بالعهد. وقوله : (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ) أي : الشدّة والفقر (وَالضَّرَّاءِ) أي : المرض والزمانة (وَحِينَ الْبَأْسِ) أي : الحرب من باب الشجاعة التي هي كمال القوّة الغضبية (أُولئِكَ) الموصوفون بهذه الفضائل كلها ، الثابتون في مقام الاستقامة (الَّذِينَ صَدَقُوا) الله في مواطن التجريد بأفعالهم التي هي البرّ كله (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) عن محبة غير الله حتى النفس ، المجرّدون عن غواشي النشأة والطبيعة.
ويمكن أن يؤوّل المال بالعلم الذي هو مال القلب ، لأنه يقوى به ويستغنى ، أي : أعطي العلم مع كونه محبوبا ذوي قربى القوى الروحانية لقربها منه ، ويتامى القوى النفسانية لانقطاعها عن نور الروح الذي هو الأب الحقيقيّ ومساكين القوى الطبيعية لكونها دائمة السكون لثواب البدن وعلمها علم الأخلاق والسياسات الفاضلة. ثم إذا ارتوى من العلم ، علم المعارف والأخلاق والآداب والمعايش جملة وتفصيلا وفرغ من نفسه ، أفاض على أبناء السبيل ، أي : السالكين والسائلين ، أي : طلبة العلم وفي فكّ رقاب عبدة الدنيا والشهوات من أسرهم بالوعظ والخطابة وأقام صلاة الحضور ، أي : أدامها بالمشاهدة ، وآتى ما يزكي نفسه عن النظر إلى الغير ، والتفاتات الخواطر بالنفي ، ومحو الصفات ، والموفون بعهد الأزل بملازمة التوحيد وإفناء الذات والآنية ، والصابرين في بأساء الافتقار إلى الله دائما ، وضرّاء كسر النفس وقمع الهوى ، وحين بأس محاربة الشيطان ، أولئك الذين صدقوا الله في الوفاء بعهده وعزيمة السلوك وعقده ، وأولئك هم المتقون عن الشرك ، المنزّهون عن البقية.
[١٧٨ ـ ١٨٤] (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤))
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
