القصاص قانون من قوانين العدالة ، فرض لإزالة عدوان القوّة السبعية ، وهو ظلّ من ظلال عدله تعالى فإنه إذا تصرّف في عبده بإفنائه فيه عوّضه عن حرّ روحه روحا موهوما خيرا منه ، وعن عبد قلبه قلبا موهوبا ، وعن أنثى نفسه نفسا موهوبة كاملة. (وَلَكُمْ) في مقاصّة الله إياكم بما ذكر (حَياةٌ) عظيمة ، أي : حياة لا يوصف كنهها (يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي : العقول الخالصة عن قشر الأوهام وغواشي العينيات والإجرام. فكذا في هذا القصاص ـ لكي تتقوا تركه وتحافظوا عليه ـ الوصية والمحافظة عليها قانون آخر فرض لإزالة نقصان القوّة الملكية ، أي : القوّة النطقية وقصورها عما يقتضي الحكمة من التصرّف في الأموال ، والسلطنة على القوّتين الأخريين بنور الحق وحكم الشرع ، ومنعها عن عدوانها أيضا بتبديل الوصية الذي هو نوع من الجريمة والخيانة ، وتحريضها على التحقيق والتدقيق في باب الحكمة التي هي كمالها بالإصلاح بين الموصى لهم على مقتضى الحكمة ، إذا توقع وعلم من الموصي إضرارا بالسهو أو العمد ـ الصيام قانون آخر مما فرض لإزالة عدوان القوّة البهيمية وتسلطها ـ واعلم أنّ قصاص أهل الحقيقة ما ذكر ، ووصيتهم هي بالمحافظة على عهد الأزل بترك ما سوى الحق ، كما قال تعالى : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) (١). وصيامهم هو الإمساك عن كلّ قول وفعل وحركة وسكون ليس بالحق للحق.
[١٨٥] (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥))
(شَهْرُ رَمَضانَ) أي : احتراق النفس بنور الحق (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ) في ذلك الوقت (الْقُرْآنُ) أي : العلم الجامع الإجمالي ، المسمّى بالعقل القرآنيّ الموصل إلى مقام الجمع ـ هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) ودلائل متصلة من الجمع والفرق ، أي : العلم التفصيلي المسمّى بالعقل الفرقاني ـ فمن حضر منكم في ذلك الوقت ، أي : بلغ مقام شهود الذات (فَلْيَصُمْهُ) أي : فليمسك عن قول وفعل وحركة ليس بالحق فيه (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً) أي : مبتلى بأمراض قلبه من الحجب النفسانية المانعة من ذلك الشهود
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية : ١٣٢.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
