(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) لجمود الدم فيها ، وبعدها عن الاعتدال بانحراف المزاج (وَالدَّمَ) لاختلاطه بالفضلات النجسة البعيدة عن قبول الحياة والعدالة والنورية وعدم صلاحيته لذلك بعد لقصور النضج (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) لغلبة السبعية والشره ومباشرة القاذورات والدياثة على طبعه فيولد في أكله مثل ذلك (وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) أي : رفع الصوت بذبحه لغير الله يعني ما قصد بذبحه وأكله الشرك لمنافاته التوحيد سفيرا عن الشرك. ويفهم منه ما يقوي آكله به على الكلام ورفع الصوت لغير الله أي : كل ما يؤكل لا على التوحيد فهو محرّم على آكله (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي : من الجماعة (غَيْرَ باغٍ) على مضطرّ آخر باستئثاره (وَلا عادٍ) سدّ الرمق (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ) أي : ملء بطونهم إلا ما هو وقود نار الحرمان وسبب اشتعال نيران الطبيعة الحاجبة عن نور الحق المعذبة بهيئات السوء المظلمة الموقعة صاحبها في جحيم الهيولى الجسمانية (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) عبارة عن شدّة غضبه عليهم وبعدهم عنه.
[١٧٧] (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧))
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد ، فإنه تقيد واحتجاب (وَلكِنَّ الْبِرَّ) برّ الموحدين الذين آمنوا بالله والمعاد في مقام الجمع ، إذ التوحيد في مقام الجمع يلزمه البقاء الأبديّ الذي هو المعاد الحقيقي. وشاهدوا الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجبوا بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين. (وَالْكِتابِ) الذي جمع بين الظاهر بالأحكام والمعارف ، وأفاد علم الاستقامة ثم استقاموا بعد تمام التوحيد جمعا وتفصيلا بالأعمال المذكورة ، فإن الاستقامة عبارة عن وقوف جميع القوى على حدودها بالأمر الإلهيّ لتنوّرها بنور الروح عند تحقق صاحبها بالله في مقام البقاء بعد الفناء وذلك مقام العدالة ، فتكون هي في ظلّ الحق منخرطة في سلك الوحدة بكليتها. (عَلى حُبِّهِ) أي : في حال الاحتياج إليه والشحّ به ، كما قال ابن مسعود : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل العيش ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ، قلت لفلان : كذا ، ولفلان : كذا. قال الله تعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) (١) أو على حب
__________________
(١) سورة الحشر ، الآية : ٥٩.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
