المشرفة ، وفى غيرها وسط من الشبع ، وقال الشافعي وابن القاسم : يجزىء المد فى كل مكان ، وقال أبو حنيفة : إن غذاهم وعشاهم أجزأه. قلت : وهو قول فى المدونة لمالك أيضا. وأما الصنف ، فاختلف : هل يطعم من عيش نفسه ، أو من عيش بلده وهو المشهور؟
فمعنى الآية على هذا : (مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ) أيها الناس (أَهْلِيكُمْ) على الجملة (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) ؛ فيكسو كل مسكين ما تصح به الصلاة ، فالرجل ثوب ، والمرأة قميص وخمار ، (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) مؤمنة على مذهب مالك ؛ لتقييدها بذلك فى كفارة القتل. وأجاز أبو حنيفة عتق الكافر ، لإطلاق اللفظ هنا ، واشترط مالك أيضا أن تكون مسلّمة من العيوب ، وليس فى الآية ما يدل عليه ، فهذه الثلاثة بالتخيير.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) واحدا من هذه الثلاثة ، ولم يقدر على شىء منها ، بحيث لم يفضل له عن قوته وقوت عياله فى يومه ما يطعم به ، (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) يستحب تتابعها ، واشترطه أبو حنيفة ؛ لأنه قرىء : (أيام متتابعات) ، والشاذ ليس بحجة ، (ذلِكَ) المذكور هو (كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) وحنثتم ، (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) أي : صونوا ألسنتكم عن كثرة الحلف ، فيكون الله عرضة لأيمانكم ، أو احفظوها بأن تبروا فيها ولا تحنثوا ، إلا إن كان فى الامتناع من الخير ، فالحنث فيها أحسن ، كما فى الحديث. أو احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم ، ولا تتهاونوا بها ، (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) أي : مثل ذلك البيان يبين لكم أعلام شرائعه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة التعليم ، أو نعمه الواجب شكرها ، فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج من ضيق اليمين ، فهو نعمة يجب شكرها. والله تعالى أعلم.
الإشارة : ليس التشديد والتعقيد من شأن أهل التوحيد ، إنما شأنهم الاسترسال مع ما يبرز من عنصر القدرة ، ليس لهم وقت دون الوقت الذي هم فيه ، قد حلّ التوحيد عقدهم ودكّ عزائمهم ، فهم فى عموم أوقاتهم لا يدبرون ولا يختارون ، وإن وقع منهم تدبير أو اختيار رجعوا إلى ما يفعل الواحد القهار ، لا يبشطون إلى شىء ولا يهربون من شىء ، إلا إن كان فيه مخالفة للشرع.
ولا يعقدون على ترك شىء من المباحات ولا على فعله ، لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا ولا تركا ، إن صدرت منهم طاعة شهدوا المنة لله ، وإن وقعت منهم زلة أو غفلة تأدبوا مع الله ، وبادروا بالتوبة إلى الله ، وما صدر من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فلعل ذلك كان حالا غالبة عليهم ، قد أزعجهم وعظ النبي صلىاللهعليهوسلم ، وأنهضهم حاله ، فلما رءاهم غلب عليهم الحال ردهم إلى حال الاعتدال ، ولعل الحق ـ جل جلاله ـ ، إنما جعل كفارة اليمين جبرا لخلل ذلك التعقيد ، الذي صدر من الحالف مع تفريطه بالحنث ، فكأنه حلف على فعل غيره ، ففيه نوع من التألى على الله. والله تعالى أعلم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
