الحيوانات ، قال البيضاوي : بيّن أولا أقصى مالهما من الكمال ، ودل أنه لا يوجب لهما ألوهية ؛ لأن كثيرا من الناس يشاركهما فى مثله ، ثم نبه على نقصهما ، وذكر ما ينافى الربوبية ويقتضى أن يكون من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، أي : القابلة للفساد ، ثم عجب ممن يدعى الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة ، فقال : (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي : كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله ، و (ثم) للتفاوت بين العجبين ، أي : أن بياننا للآيات عجب ، وإعراضهم عنها أعجب. ه
ثم أبطل عبادتهم لعيسى عليهالسلام فقال : (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) بل هو عاجز عن صرفه عن نفسه وجلب الخير لها ، فكيف يقدر أن يدفعه عن غيره؟ وعبّر عنه بما ، دون (من) ـ إشارة إلى أنه من جنس ما لا يعقل ، وما كان مشاركا فى الحقيقة لجنس ما لا يعقل ، يكون معزولا عن الألوهية ، وإنما قدّم الضر ؛ لأن التحرز منه أهم من تحرى النفع ، ثم هددهم بقوله : (وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) بالأقوال والعقائد ، فيجازى عليهما ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. والله تعالى أعلم.
الإشارة : ينبغى للعبد أن يصفى مشرب توحيده ، ويعتنى بتربية يقينه ، بصحبة أهل اليقين ، وهم أهل التوحيد الخاص ، فيترقى من توحيد الأفعال إلى توحيد الصفات ، ومن توحيد الصفات إلى توحيد الذات ، فنهاية توحيد الصالحين والعلماء المجتهدين تحقيق توحيد الأفعال ، وهو ألّا يرى فاعلا إلا الله ، لا فاعل سواه ، وثمرة هذا التوحيد : الاعتماد على الله ، والثقة بالله ، وسقوط خوف الخلق من قلبه ، لأنه يراهم كالآلات ، والقدرة تحركهم ، ليس بيدهم نفع ولا ضرر ، عاجزون عن أنفسهم فكيف عن غيرهم؟ ونهاية توحيد العباد والزهاد والناسكين المنقطعين إلى الله تعالى توحيد الصفات ، فلا يرون قادرا ولا مريدا ولا عالما ولا حيا ولا سميعا ولا بصيرا ولا متكلّما إلا الله ، قد انتفت عنه صفات الحدث وبقيت صفات القدم. وثمرة هذا التوحيد : الانحياش من الخلق والتأنس بالملك الحق ، وحلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة. ونهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين : توحيد الذات ؛ فلا يشهدون إلا الله ، ولا يرون معه سواه. قال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى أشهده.
وقال شاعرهم :
|
مذ عرفت الإله لم أر غيرا |
|
وكذا الغير عندنا ممنوع |
|
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا |
|
فأنا اليوم واصل مجموع |
وقال فى التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا مع الله سواه ؛ لما حققهم به من شهود الأحدية وإحاطة القيومية. ه. وفى الحكم : «الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته». وهؤلاء هم الصديقون المقربون. نفعنا الله بذكرهم ، وخرطنا فى سلكهم. آمين.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
